ابراهيم بن محمد البيهقي
206
المحاسن والمساوئ
قال : وسمع سفيان الثوري قوما يقولون بعضهم لبعض : كيف حالك ؟ فقال : لقد بلغني أن من كان قبلكم كان يكره أن يسأل أخاه عن حاله إلا من يكون مجمعا على تغيير سوء حاله إذا أخبره . قال : وقال أوس بن حارثة : خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع . وقيل : ومر رجل من الأغنياء برجل من أهل العلم فتحرك له وأكرمه ، فقيل له : هل كانت لك إليه حاجة ؟ قال : لا ولكن ذو المال مهيب ، وقال فيه الشاعر : أرى كلّ ذي مال يجلّ لماله * ومن ليس ذا مال يهان ويحقر ويخذله الإخوان إن قلّ ماله * وليس بمحبوب بلى هو يهجر وأقنع بالمال القليل تكرّما * لأغنى به عمّا لديك وأصبر وذكروا أن زياد بن أبي سفيان أرق ذات ليلة وهو بالبصرة فبعث إلى غيلان ابن خرشة الضبي وسويد بن منجوف السدوسي والأحنف بن قيس السعدي ، فلما توافوا إليه قال : أتدرون فيم بعثت إليكم ؟ إنه كان عندي ثلاثة من دهاقين كسرى يحدثون بما كان الأكاسرة فيه من ملكها وعظيم شأنها ، فتقاصر إلي ما نحن فيه فبعثت إليكم لتصفوا لي ما كانت العرب فيه من البؤس وشدة الحال لنقنع بما نحن فيه فإن الغنى القناعة . قال غيلان : إن اقتصرت علي دون أصحابي حدثتك . قال : هات . قال : أخبرني عم لي صدوق أنه خرج في سنة أصابت العرب فيها شدة حتى أكلوا القد « 1 » من القحط واحمر أديم الأرض وآفاق السماء ، قال : فطفت ثلاثا ما أطعم فيهن شيئا إلا ما يأكل بعيري من حشرات الأرض حتى أصابني الميد « 2 » فشددت على بطني حجرا من الجوع ، فإني لكذلك في جوف الليل إذا دفعت إلى حي عظيم فسلمت . فقالوا : من هذا ؟ قلت : طارق ليل يلتمس القرى . فقالوا : واللّه ما أبقت لنا هذه السنة قرى ولا فضلا . فقالت امرأة كانت إلى جانب القبة : يا عبد اللّه دونك القبة العظيمة فإن كان عند أحد خير فعندها . فأممتها فلما دفعت إليها سلمت فقال لي : من هذا ؟ فقلت : طارق ليل يلتمس قرى ، فقال رجل منهم : يا فلان هل عندك قرى ؟ قال : نعم ، قد أبقيت في ضرع فلانة رسلا لطارق ليل . ثم ثار إليها فناداها فانتبعثت وتفاجّت عن مثل الظبي القنيص ، فضرب زبونتها « 3 » ثم حلب في علبة معه حتى علتها رغوة اللبن ، وكل ذلك بمرأى مني ومسمع ، فلقد سمعت الغناء الحذاء فما سمعت شيئا كان أحب إلى مسامعي من صوت شخبها في تلك العلبة ، ثم
--> ( 1 ) القدّ الشيء المقدود وهو ما يعرف بالقديد من الأكل الذي ييبس حتى يجف . ( 2 ) الميد : تحرك المعدة من شدة الجوع . ( 3 ) زبونتيها : ناقة زبون تضرب حالبها وتدفعه وقيل هي التي إذا دنا منها حالبها زبنته برجله .